ابن كثير

316

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

الأحمر والأسود لقوله تعالى قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [ الأعراف : 158 ] وغير ذلك من الأدلة القاطعة ، وهذا الدعاء من إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام كما أخبرنا اللّه تعالى عن عباده المتقين المؤمنين في قوله وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً [ الفرقان : 74 ] وهذا القدر مرغوب فيه شرعا ، فإن من تمام محبة عبادة اللّه تعالى أن يحب أن يكون من صلبه من يعبد اللّه وحده لا شريك له . ولهذا لما قال اللّه تعالى لإبراهيم عليه السلام إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ وهو قوله وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ [ إبراهيم : 35 ] وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : « إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له » . وَأَرِنا مَناسِكَنا قال ابن جرير عن عطاء وَأَرِنا مَناسِكَنا أخرجها لنا علمناها ، وقال مجاهد أَرِنا مَناسِكَنا مذابحنا . وروي عن عطاء أيضا وقتادة نحو ذلك . وقال سعيد بن منصور : أخبرنا عتاب بن بشير عن خصيف ، عن مجاهد ، قال : قال إبراهيم أَرِنا مَناسِكَنا فأراه جبرائيل فأتى به البيت ، فقال : ارفع القواعد ، فرفع القواعد وأتم البنيان ثم أخذ بيده فأخرجه فانطلق به إلى الصفا ، قال : هذا من شعائر اللّه ، ثم انطلق به إلى المروة ، فقال : وهذا من شعائر اللّه ، ثم انطلق به نحو منى ، فلما كان من العقبة إذا إبليس قائم عند الشجرة ، فقال : كبر وارمه ، فكبر ورماه ، ثم انطلق إبليس فقام عند الجمرة الوسطى ، فلما جاز به جبريل وإبراهيم قال له : كبر وارمه ، فكبر ورماه ، فذهب الخبيث إبليس وكان الخبيث أراد أن يدخل في الحج شيئا ، فلم يستطع ، فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به المشعر الحرام ، فقال : هذا المشعر الحرام ، فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به عرفات ، قال : قد عرفت ما أريتك ؟ قالها ثلاث مرات ، قال : نعم . وروي عن أبي مجلز وقتادة نحو ذلك ، وقال أبو داود الطيالسي : أخبرنا حماد بن سلمة عن أبي العاصم الغنوي ، عن أبي الطفيل ، عن ابن عباس ، قال : إن إبراهيم لما أري أوامر المناسك ، عرض له الشيطان عند المسعى ، فسابقه إبراهيم ثم انطلق به جبريل حتى أتى به منى ، قال : هذا مناخ الناس ، فلما انتهى إلى جمرة العقبة تعرض له الشيطان ، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ، ثم أتى به إلى الجمرة القصوى فعرض له الشيطان ، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب فأتى به جمعا ، فقال : هذا المشعر ، ثم أتى به عرفة ، فقال : هذه عرفة ، فقال له جبريل : أعرفت ؟ . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 129 ] رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 129 ) يقول تعالى إخبارا عن تمام دعوة إبراهيم لأهل الحرم أن يبعث اللّه فيهم رسولا منهم ، أي من ذرية إبراهيم ، وقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قدر اللّه السابق في تعيين محمد صلوات اللّه